أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ
آية 18 من سورة undefined — تفسير ابن كثير
مصدر التفسير: ابن كثير
هذا الكتاب من التفاسير الموسّعة؛ افتح النص الأصلي لقراءة شرح المفسّر كاملاً.
عرض النص الأصلي الكامل
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ [وَكَرَمِهِ] [[زيادة من أ.]] أَنَّهُ لَا يُسَاوِي فِي حُكمه يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ كَانَ مُؤمنًا بِآيَاتِهِ مُتْبِعًا لِرُسُلِهِ، بِمَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَيْ: خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ مكذِّبًا لرُسُله إِلَيْهِ [[في ت، ف: "لرسل الله".]] ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٢٠] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَاهُنَا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ عَطَاءُ بْنُ يَسَار والسُّدِّيّ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط؛ وَلِهَذَا فَصَّل حُكْمَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا [[في ت: "قلوبهم بلقاء الله ومقتضاها".]] ، وَهِيَ الصَّالِحَاتُ ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ أَيِ: الَّتِي فِيهَا الْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ وَالْغُرَفُ الْعَالِيَةُ ﴿نُزُلًا﴾ أَيْ: ضِيَافَةً وَكَرَامَةً ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أَيْ: خَرَجُوا عَنِ الطَّاعَةِ، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ٢٢] . قَالَ الفُضَيل بْنُ عِيَاضٍ: وَاللَّهِ إِنَّ الْأَيْدِيَ لَمُوثَقَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْجُلَ لَمُقَيَّدَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَبَ لَيَرْفَعُهُمْ وَالْمَلَائِكَةَ تَقْمَعُهُمْ. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ﴾ [[زيادة من ت.]] قَالَ [[في ت: "وقال".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِالْعَذَابِ الْأَدْنَى مَصَائِبَ الدُّنْيَا وَأَسْقَامَهَا وَآفَاتِهَا، وَمَا يَحِلُّ بِأَهْلِهَا مِمَّا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لِيَتُوبُوا إِلَيْهِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَلْقَمَةَ، وَعَطِيَّةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الجَزَري، وخَصِيف. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ -: يَعْنِي بِهِ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي بِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ [[في ت: "وروى النسائي بإسناده".]] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: سُنُونَ أَصَابَتْهُمْ. [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٥) .]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر القَوَاريري، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَة [[في ف، أ: "عررة".]] ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَني، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى [[في ت: "وروى عبد الله بن الإمام أحمد".]] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ﴾ قَالَ: الْمُصِيبَاتُ [[في ت، أ: "المضمار".]] وَالدُّخَانُ قَدْ مَضَيَا، وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ. [[زوائد المسند (٥/١٢٨) .]] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ مَوْقُوفًا نَحْوَهُ. [[صحيح مسلم برقم (٢٧٩٩) .]] وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَهُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٨٢٠) ولفظه: "مضي خمس: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام".]] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [[في ت: "وعن ابن مسعود".]] أَيْضًا، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْعَذَابُ الْأَدْنَى: مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. قَالَ السُّدِّي وَغَيْرُهُ: لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ بِمَكَّةَ إِلَّا دَخَلَهُ الْحُزْنُ عَلَى قَتِيلٍ لَهُمْ أَوْ أَسِيرٍ، فَأُصِيبُوا أَوْ غَرموا [[في ت: "هزموا".]] ، وَمِنْهُمْ مَنْ جُمِعَ له الأمران. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أَيْ: لَا أَظْلِمُ مِمَّنْ ذَكَّرَه اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبَيَّنَهَا لَهُ وَوَضَّحَهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَجَحَدَهَا وَأَعْرَضَ عَنْهَا وَتَنَاسَاهَا، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا. قَالَ قَتَادَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِيَّاكُمْ وَالْإِعْرَاضَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ فَقَدِ اغْتَرَّ أَكْبَرَ الغرَّة، وَأَعْوَزَ أَشَدَّ العَوَز [[في ت، أ: "وأعور أشد العورة".]] ، وَعَظَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أَيْ: سَأَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الكِلاعي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيّ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده".]] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أَجْرَمَ، مَنْ عَقَدَ [[في ت: "اعتقد" وفي أ "أعقد".]] لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ عقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ يَنْصُرُهُ، فَقَدْ أَجْرَمَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٢١/٦٩) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
المصدر: spa5k/tafsir_api — local verified corpus · للاطلاع على التفسير كاملاً راجع صفحة المصادر.