آية 51 من سورة undefined — تفسير ابن كثير

مصدر التفسير: ابن كثير

نص الآية

وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ

التفسير الأصلي

هذا الكتاب من التفاسير الموسّعة؛ افتح النص الأصلي لقراءة شرح المفسّر كاملاً.

عرض النص الأصلي الكامل

يُبَيِّنُ تَعَالَى كَيْفَ يَخْلُقُ السَّحَابَ الَّتِي [[في أ: "الذي".]] يَنْزِلُ مِنْهَا الْمَاءُ [[في ت: "المطر".]] فَقَالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ ، إِمَّا مِنَ الْبَحْرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، أَوْ مِمَّا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أَيْ: يَمُدّه فيكثّرهُ ويُنَمّيه، وَيَجْعَلُ مِنَ الْقَلِيلِ كَثِيرًا، يُنْشِئُ سَحَابَةً فَتُرَى فِي رَأْيِ الْعَيْنِ مِثْلَ التُّرْسِ، ثُمَّ يَبْسُطُهَا حَتَّى تَمْلَأَ أَرْجَاءَ الْأُفُقِ. وَتَارَةً يَأْتِي السَّحَابُ مِنْ نَحْوِ الْبَحْرِ ثِقَالًا مَمْلُوءَةً مَاءً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٥٧] ، وَكَذَلِكَ قَالَ هَاهُنَا: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَمَطَرٌ الوَرّاق، وَقَتَادَةُ: يَعْنِي قِطَعًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مُتَرَاكِمًا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَسْوَدَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ، تَرَاهُ مُدْلَهِمًّا ثَقِيلًا قَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ. * * وَقَوْلُهُ ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أَيْ: فَتَرَى الْمَطَرَ -وَهُوَ الْقَطْرُ -يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ السَّحَابِ، ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أَيْ: لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ وَوُصُولِهِ إِلَيْهِمْ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنزلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ، مَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ هَذَا الْمَطَرُ كَانُوا قَنطين أَزِلِينَ مِنْ نُزُولِ الْمَطَرِ إِلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ، جَاءَهُمْ عَلَى فَاقَةٍ، فَوَقَعَ مِنْهُمْ مَوْقِعًا عَظِيمًا. وقد اختلف النحاة في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنزلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ، فقال ابن جرير: هو تَأْكِيدٌ. وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: [وَإِنْ كَانُوا] [[زيادة من أ.]] مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرُ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أَيِ: الْإِنْزَالِ ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةِ التَّأْسِيسِ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِ قَبِلَ نُزُولِهِ، وَمِنْ قَبْلِهِ -أَيْضًا -قَدْ فَاتَ عِنْدَهُمْ نُزُولُهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ، فَتَرَقَّبُوهُ فِي إِبَّانِهِ فَتَأَخَّرَ، فَمَضَتْ مُدَّةٌ فَتَرَقَّبُوهُ فَتَأَخَّرَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ بَغْتَةً بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ وَالْقُنُوطِ، فَبَعْدَ مَا كَانَتْ أَرْضُهُمْ مُقَشْعَرَةً هَامِدَةً أَصْبَحَتْ وَقَدِ اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الْمَطَرَ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ . ثُمَّ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَادِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَفَرُّقِهَا وَتَمَزُّقِهَا، فَقَالَ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أَيْ: إِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لَقَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ، ﴿إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ ، يَقُولُ ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ يَابِسَةً عَلَى الزَّرْعِ الَّذِي زَرَعُوهُ، وَنَبَتَ وَشَبَّ وَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا، أَيْ: قَدِ اصْفَرَّ وَشَرَعَ فِي الْفَسَادِ، لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ، أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْحَالِ يَكْفُرُونَ، أَيْ: يَجْحَدُونَ مَا تَقَدَّمَ [إِلَيْهِمْ] [[زيادة من أ.]] مِنَ النِّعَمِ، كَمَا قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الْوَاقِعَةِ: ٦٣ -٦٧] . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا محمد بن عيسى بن الطباع، حَدَّثَنَا هُشَيْم [[في أ: "هاشم".]] ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنِ أَبِيهِ [[في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: الرِّيَاحُ ثَمَانِيَةٌ، أَرْبَعَةٌ مِنْهَا رَحْمَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ عَذَابٌ، فَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَالنَّاشِرَاتُ وَالْمُبَشِّرَاتُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَالذَّارِيَاتُ. وَأَمَّا الْعَذَابُ فَالْعَقِيمُ وَالصَّرْصَرُ، وَهُمَا فِي الْبَرِّ، وَالْعَاصِفُ وَالْقَاصِفُ، وَهُمَا فِي الْبَحْرِ [فَإِذَا شَاءَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَرَّكَهُ بِحَرَكَةِ الرَّحْمَةِ فَجَعَلَهُ رَخَاءً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رحْمته، وَلَاقِحًا لِلسَّحَابِ تُلَقِّحُهُ بِحَمْلِهِ الْمَاءَ، كَمَا يُلَقِّحُ الذَّكَرُ الْأُنْثَى بِالْحَمْلِ، وَإِنْ شَاءَ حَرَّكَهُ بِحَرَكَةِ الْعَذَابِ فَجَعَلَهُ عَقِيمًا، وَأَوْدَعَهُ عَذَابًا أَلِيمًا، وَجَعْلَهُ نِقْمَةً عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيَجْعَلُهُ صَرْصَرًا وَعَاتِيًا وَمُفْسِدًا لِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ، وَالرِّيَاحُ مُخْتَلِفَةٌ فِي مَهَابِّهَا: صَبًا وَدَبُورٌ، وَجَنُوبٌ، وَشِمَالٌ، وَفِي مَنْفَعَتِهَا وَتَأْثِيرِهَا أَعْظَمَ اخْتِلَافِ، فَرِيحٌ لَيِّنَةٌ رَطْبَةٌ تُغَذِّي النَّبَاتَ وَأَبْدَانَ الْحَيَوَانِ، وَأُخْرَى تُجَفِّفُهُ، وَأُخْرَى تُهْلِكُهُ وَتُعْطِبُهُ، وَأُخْرَى تُسَيِّرُهُ وَتَصْلُبُهُ، وَأُخْرَى تُوهِنُهُ وَتُضْعِفُهُ] [[زيادة من ت.]] . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو [[في أ: "ابن".]] عبُيَد اللَّهِ ابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيْاش [[في أ: "عباس".]] ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ -يَعْنِي الْأَرْضَ الثانية -فلما أراد الله أن يهلك عادا، أَمَرَ خَازِنَ الرِّيحِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا تُهْلِكُ عَادًا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ من الريح قدر منخر الثور. قال له الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: لَا إِذًا تَكْفَأُ الْأَرْضَ وما عليها، وَلَكِنْ أَرْسِلْ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ خَاتَمٍ"، فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [[سيأتي تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٤٢ من سورة الذاريات.]] [الذَّرِايَاتِ: ٤٢] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرَفْعُهُ مُنْكَرٌ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

المصدر: spa5k/tafsir_api — local verified corpus · للاطلاع على التفسير كاملاً راجع صفحة المصادر.