قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا
آية 6 من سورة undefined — تفسير ابن كثير
مصدر التفسير: ابن كثير
هذا الكتاب من التفاسير الموسّعة؛ افتح النص الأصلي لقراءة شرح المفسّر كاملاً.
عرض النص الأصلي الكامل
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ سَخَافَةِ عُقُولِ الْجَهَلَةِ مِنَ الْكُفَّارِ، فِي قَوْلِهِمْ عَنِ الْقُرْآنِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ﴾ : أَيْ: كَذِبٌ، ﴿افْتَرَاهُ﴾ يَعْنُونَ النَّبِيَّ [[في ف، أ: "محمدا".]] ﷺ، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أَيْ: وَاسْتَعَانَ عَلَى جَمْعِهِ بِقَوْمٍ آخَرِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ أَيْ: فقد افتروا هم قولا باطلا هم يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَيَعْرِفُونَ كَذِبَ أَنْفُسِهِمْ فِيمَا يَزْعُمُونَ [[في ف، أ: "زعموه".]] . ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يَعْنُونَ: كُتُبَ الْأَوَائِلِ اسْتَنْسَخَهَا، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أَيْ: تُقْرَأُ عَلَيْهِ ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ أَيْ: فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ. وَهَذَا الْكَلَامُ -لِسَخَافَتِهِ وَكَذِبِهِ وبهْته مِنْهُمْ -كُلّ أَحَدٍ يَعْلَمُ [[في ف، أ: "بهته كل أحد منهم يعلم".]] بُطْلَانَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ عُلم بِالتَّوَاتُرِ وَبِالضَّرُورَةِ: أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يُعَانِي شَيْئًا مِنَ الْكِتَابَةِ، لَا فِي أَوَّلِ عُمُرِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ، وَقَدْ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِنْ أَوَّلِ مَوْلِدِهِ إِلَى أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهُمْ يَعْرِفُونَ مُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ، وَصِدْقَهُ، وَبِرَّهُ وَأَمَانَتَهُ وَنَزَاهَتَهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَهُ فِي صِغَرِهِ إِلَى أَنْ بُعِث [[في أ: "بعثه".]] إِلَّا الْأَمِينَ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ صِدْقِهِ وَبِرِّهِ. فَلَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، نَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَرَموه بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ بَرَاءَتَهُ مِنْهَا، وَحَارُوا مَاذَا يَقْذِفُونَهُ بِهِ، فَتَارَةً مِنْ إِفْكِهِمْ يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: كَذَّابٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٨] . وَقَالَ تَعَالَى فِي جَوَابِ مَا عَانَدُوا هَاهُنَا وَافْتَرَوْا: ﴿قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: أَنْزَلَ الْقُرْآنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ إِخْبَارًا حقًّا صِدْقًا مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ فِي الْخَارِجِ، مَاضِيًا وَمُسْتَقْبَلًا ﴿أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب السموات وَالْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ السَّرَائِرَ كَعِلْمِهِ بِالظَّوَاهِرِ. * * وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ : دُعَاءٌ لَهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ رَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ، وَأَنَّ حِلْمَهُ عَظِيمٌ، وَأَنَّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ. فَهَؤُلَاءِ مَعَ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ وَفُجُورِهِمْ وَبُهْتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ وَالْقُرْآنِ مَا قَالُوا، يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْهُدَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٣ -٧٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [الْبُرُوجِ: ١٠] . قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْكَرَمِ وَالْجُودِ، قَتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ [سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] .
المصدر: spa5k/tafsir_api — local verified corpus · للاطلاع على التفسير كاملاً راجع صفحة المصادر.