آية 33 من سورة undefined — تفسير السعدي

مصدر التفسير: السعدي

نص الآية

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ

التفسير الأصلي

هذا الكتاب من التفاسير الموسّعة؛ افتح النص الأصلي لقراءة شرح المفسّر كاملاً.

عرض النص الأصلي الكامل

{30} يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدَّث به النسوة، فجعلن يَلُمْنها ويَقُلْنَ:{امرأةُ العزيز تراوِدُ فتاها عن نفسه قد شغفها حبًّا}؛ أي: هذا أمرٌ مستقبَحٌ! هي امرأةٌ كبيرةُ القدر وزوجها كبيرُ القدر ومع هذا لم تزلْ تراوِدُ فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا؛ فإنَّ حبَّه قد بلغ من قلبها مبلغاً عظيماً. {قد شَغَفَها حبًّا}؛ أي: وصل حبُّه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما يكون من الحب. {إنَّا لنراها في ضلال مبينٍ}: حيث وجدت منها هذه الحالة التي لا ينبغي منها، وهي حالة تحطُّ قدرها وتضعه عند الناس. {31} وكان هذا القول منهنَّ مكراً ليس المقصودُ به مجردَ اللَّوم لها والقدح فيها، وإنَّما أرَدْنَ أن يتوصَّلْن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فُتِنَتْ به امرأة العزيز لتَحْنَقَ امرأةُ العزيز وتريهنَّ إيَّاه ليعذِرْنها، ولهذا سمَّاه مكراً، فقال:{فلما سمعتۡ بمكرِهِنَّ أرسلت إليهنَّ}: تدعوهنَّ إلى منزلها للضيافة، {وأعتدتۡ لهن متَّكأ}؛ أي: محلاًّ مهيئاً بأنواع الفرش والوسائد وما يُقصد بذلك من المآكل اللَّذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعامٌ يحتاجُ إلى سكينٍ: إمَّا أُترُجٌّ أو غيره. {وآتت كلَّ واحدة منهنَّ سكِّيناً}: ليقطِّعْن فيها ذلك الطعام، {وقالتۡ} ليوسفَ: {اخرجۡ عليهنَّ }: في حالة جماله وبهائه، {فلما رأيۡنَهُ أكۡبَرۡنَهُ}؛ أي: أعظمنه في صدورهنَّ ورأين منظراً فائقاً لم يشاهِدْنَ مثله؛ {وقطَّعۡن}: من الدَّهَش {أيدِيَهُنَّ}: بتلك السكاكين اللاتي معهن، {وقلنَ حاش لله}؛ أي: تنزيهاً لله، {ما هذا بشراً إنۡ هذا إلاَّ مَلَكٌ كريمٌ}: وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء ما كان به آيةً للناظرين وعبرةً للمتأملين. {32} فلما تقرَّر عندهنَّ جمالُ يوسف الظاهر، وأعجبهنَّ غايةً، وظهر منهنَّ من العذر لامرأة العزيز شيءٌ كثيرٌ؛ أرادت أن تُرِيَهُنَّ جماله الباطن بالعفة التامَّة، فقالت معلنة لذلك ومبيِّنة لحبِّه الشديد غير مبالية ولأن اللَّوم انقطع عنها من النسوة:{ولقد راودتُه عن نفسه فاستعصمَ}؛ أي: امتنع، وهي مقيمة على مراودته، لم تزدها مرور الأوقات إلاَّ محبَّةً وشوقاً وقلقاً لوصاله وتوقاً، ولهذا قالت له بحضرتهنَّ:{ولئن لم يفعلۡ ما آمرُهُ ليسجننَّ وليكونًا من الصَّاغرينَ}: لتلجِئَه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه. {33} فعند ذلك اعتصم يوسف بربِّه، واستعان به على كيدهِنَّ و {قال ربِّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه}: وهذا يدلُّ على أن النسوة جعلن يُشِرْن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن يَكِدْنَه في ذلك، فاستحبَّ السجن والعذاب الدنيويَّ على لذَّة حاضرة توجب العذاب الشديد. {وإلاَّ تصرِفۡ عنِّي كيدَهُنَّ أصبُ إليهنَّ}؛ أي: أَمِل إليهنَّ؛ فإني ضعيفٌ عاجز إن لم تدفعْ عنِّي السوء؛ صبوتُ إليهنَّ، {وأكن من الجاهلينَ}: فإنَّ هذا جهلٌ؛ لأنَّه آثر لذَّة قليلة منغَّصة على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومَنْ آثر هذا على هذا؛ فمن أجهلُ منه؟! فإنَّ العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم المصلحتين وأعظم اللذَّتين، ويؤثِرُ ما كان محمودَ العاقبة. {34}{فاستجابَ له ربُّه}: حين دعاه، {فصرف عنه كَيۡدَهُنَّ}: فلم تزلْ تراوِدُه وتستعين عليه بما تقدِرُ عليه من الوسائل حتى أيَّسَها وصَرَفَ الله عنه كيدها. {إنَّه هو السميع}: لدعاء الداعي، {العليمُ}: بنيَّته الصالحة وبنيَّته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولطفه، فهذا ما نجَّى اللهُ به يوسفَ من هذه الفتنة الملمَّة والمحنة الشديدة. {35} وأما أسيادُه؛ فإنَّه لما اشتهر الخبر وبان وصار الناس فيها بين عاذرٍ ولائم وقادح، {بدا لهم}؛ أي: ظهر لهم {من بعد ما رأوا الآيات}: الدالَّة على براءته، {لَيَسۡجُنُنَّه حتى حين}؛ أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس؛ فإنَّ الشيء إذا شاع؛ لم يزلْ يذكر، ويشاع مع وجود أسبابه؛ فإذا عدمت أسبابه؛ نُسِي، فرأوا أنَّ هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن.

المصدر: spa5k/tafsir_api — local verified corpus · للاطلاع على التفسير كاملاً راجع صفحة المصادر.